السبت، 5 نوفمبر 2011

حبيبتي مروة ..رواية

حبيبتي مروة
اتسخت يدك بالحبر لأنك تعلمت الكتابة
قبل الأوان
ثم اتسخت يدك بالتراب لأنك تعلمت اللعب
بعد أن فات الأوان
قابلت الآخرين في مدنهم فاحترقت مدينتك
موة تلو أخرى

 ( 1 )
كنت أقف جوار كشك الجرايد ، أتابع حركة الشارع ، حين رأيتها ترفع سماعة الهاتف وتضغط الأزرار بعصبية . تكرر المحاولة مرات و لا أحد يجيب . أدركت أنها وحيدة جدا ويآسة ، وأنها على وشك البكاء . بعد دقيقتين وضعت السماعة وبكت.
ذهبت إليها متردداً ، وقلت لها : السواد المطلق وهم ، فتمالكت نفسها وتحول وجهها الطفولى إلى وجه امرأة شرسة .
وجهها يتحول دائماً .
حين نكون معاً ، أراها طفلة بوجه وقلب طفلة . وحين تتركني ، تستعد لمواجهة العالم فيزول بريق عينيها ويتسم وجهها بالصرامة ويصير صوتها محايداً .
مرة طلبت منى ، وألحت على أن أضفر شعرها : والنبي والنبي والنبي عاوزة ضفيرة ذي اللي كانت ماما بتعملها لى .. عشان خاطرى ..
جدلت شعرها الأسود الناعم بصعوبة ، وهى مستسلمة كطفلة فى حجر أمها ، وحين انتهيت جرت إلى المرآة . ابتسمت ودارت حول نفسها ثم اندفعت نحوى ، شبكت أصابعها خلف رقبتي وشبت على أطراف أصابع قدميها لتقبلنى .
قصر قامتها ، ووجهها المستدير الخمران ، وعيناها اللامعتان البريئتان ، ودلالها الطفولى جعلني أحملها على ساعدي وأدور بها.
شممت في جسدها رائحة أجساد الأطفال ، تلك الرائحة العذبة الحريفة. جعلني ذلك أحتضنها أكثر وأسرع الدوران وهى تصرخ بدلال : نزلني والنبي والنبى ..
فاض قلبي بالفرح وأنا أضعها على السرير وأجلس على حافته ، أمسد شعرها بكفي وأمرر أطراف أصابعي على وجهها فتغمض عينيها باستسلام . أداعب شفتها السفلى بسبابتي فتحاول عضها .. بعد دقائق نظرت إلى الساعة وقالت بصوت حاسم: الساعة أربعة إلا تلت.. لازم أنزل .
تمددت مكانها على السرير ، أتابعها وهى ترتدي ملابسها في صمت ، وقد عاد الحياد إلى وجهها وحين اقتربت لتقبلني في جبهتي ، نظرت إلى عينيها العسليتين فرأيت أنهما قد تحولتا إلى بني داكن ، وصوتها الناعم صار وقوراً، به مرارة واضحة حتى وهى تداعبني وتقول : إوعى تلعب بديلك أحسن والله أقطعه.
مضت وتركتني لنفسي، أفكر فيها وفى نفسى.
منذ أن وقع بصري عليها ، عرفت أنها لي ، نقطتي البيضاء خمرية اللون . حتى عندما مضت غاضبة كنت أثق أنها سترجع .
 قالت لي : ممكن تتصل بالرقم ده وتسأل عن أحمد وبعدين .. أصل هو خطيبى .. وهو في الجيش ومش عارفة نزل أجازة ولا إيه .. ممكن؟ أصل فيه مشاكل بيني وبين أهله وحاجات كده غريبة.. هه .. ممكن.
كنت أعرف أنها صدفة جمعتنا ، حتى كلامها عن خطيبها المزعوم  لم يهز ثقتي في أنها لى . الصبارة المرشوقة في فراغ الصحراء, تنتظر نقطة ماء واحدة ، تقبض عليها بنهم ، لا تهدر منها ذرة واحدة ، فبها تحيا لشهور.
أصبحت كلها لي إلا ذرة واحدة شاردة , جزء من روحها بعيد عنى، جعلني أشك في حبها لي وفى حبي لها ، لكن هذا الشك تبدد حين قالت لي مرة ، وهى تنام في حضني تداعب صدري بأصابعها و تتأمل وجهي : إنت أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها .. حاسة إنك ابنى.. ابني ..
صمتت ونزلت من عينيها دموع صامتة . لحظات صمت متوترة .. مشحونة إلى أقصى حد بالحب الذي يتجاوز الألم .. بالألم الذي يتجاوز الحياة . سحبت سيجارة من علبة السجاير، أشعلتها ونفخت الدخان إلى أعلى كعادتها ثم عاودت النظر إلى وجهي في عينيها قلق وجنون .
قالت : عارف ..
لكن صوتها اختنق بالبكاء المحبوس . لم تستطع أن تبكى ولم تكمل جملتها أبداً . ظل ما حاولت أن تقول في تلك اللحظة سرها الذي قبع داخلها . ذرة الألم التي احتفظت بها لنفسها ، لتكون لها وحدها.
حافظت على الصمت وضممتها إلى صدري من جديد . كان جسدها الساخن ينتفض وهى تشهق طلبا للهواء . أخذت السيجارة من بين أصابعها ، وضعتها في الطفاية ونظرت إلى جسدينا في المرآة للحظة .
 طبعت هذه الصورة في رأسي لروح واحدة تسكن جسداً واحداً متعدد الأطراف. قبلت جبينها ومسدت شعرها فانهار السد وانفجرت في البكاء. دموعها تسيل على صدري وتختلط بالعرق ، وأنا ساكن أحاول ألا أتحرك فأفسد عليها ذلك التدفق . بعد دقائق صمتت وانتظمت أنفاسها ونامت ، وحين استيقظت كانت كائنا آخر. قالت وهى تتثاءب : هو إيه اللي حصل .. أنا نمت ؟! هيه الساعة كام.. مالك مبتردش ليه ؟!
مررت أصابعها على وجهي كما يحلو لها دائماً ، وهى تبتسم . قالت وهى تتثاءب وتفرد ذراعيها على اتساعهما : دى الساعة ستة شكلها كده مفيش شغل النهاردة .. إيه رأيك نشرب شاي وناخد دش وننزل نتمشى شوية قبل ما أروح .
نسير متجاورين ، ولكن في الشوارع شحيحة الإضاءة ، أو تامة الظلمة نسير متشابكى الأصابع . وكنت أحب أن أحيط خصرها بذراعي ، وأهوى على خدها المختمر بقبلة خاطفة ، تقاومها بدلال وهى تقول : الله .. احنا في الشارع .
كنت بذلك أتحدى نفسي ، أقاوم خجلي القديم ، وأتمرد على شيء لا أفهمه . ربما أردت أن أشعر أنها لي في كل وقت ، في كل مكان ، وفى كل حال .
قلت لها : لحظة الحب عندي - من زمان – هي أن أمشى وحبيبتي في شوارع مدينة نائمة ، ونحن نستنشق هواء الليل الرائق وحدنا.
سألتها : مش انتى حبيبتي ؟
قالت بحنو كأنما لطفل : طبعا يا حبيبي .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق