( 2 )
كانت تتحدث عن أمها وكيف انهارت عندما رأتها تموت فجأة ، بينما أنا شارد في أحزانها الكثيرة التي قالتها لي ، والتي لم تستطع البوح بها . انتبهت حين انتقلت بالحديث إلى حسين حبيبها الأول ، جارها الذي كان يقف بالساعات في البلكونة ، وإلى جواره تسجيل قديم وشرايط أم كلثوم
كان يرسل لها خطابا كل يوم : ورقة مطوية على طوبة يلقيها على السطح ، يشرح فيها حبه ويستعين بشعر نزار وكتب رسائل الحب . سألتها عن هذه الرسائل فقالت: اتحرقت بعد الموضوع ما خلص .
حاول مع أهله أن يخطبها لكنهم رفضوا فترك البيت وأقام عند صديق له أسبوع ، عاد بعده مهزوماً ، لا يحتمل الوقوف في البلكونة ولا يطيق أغاني أم كلثوم . وإن تصادف وقابلها كان ينظر إلى الأرض .
لم يعرف أنها سامحته وقدرت عجزه وقلة حيلته ، وأنها كانت تتابع أخباره من بعيد لبعيد ، وتحزن لتعثره في الكلية . ثم انتهى به المطاف إلى الوقوف بفرش صغير عند موقف المنصورة يبيع السواك والعطور الرخيصة وشرايط محمد حسان . وحين ذهبت إليه قال لها بصوت بارد وآلي وهو ينظر إلى الأرض: ازيك يا أخت مروة .. والحاج أخباره إيه ؟ وقفت دقيقة إضافية تراقب صمته وارتباكه قبل أن تنصرف مقبوضة القلب .
قالت: أحس أن ما هو فيه الآن بسببي .
فقلت: ذلك التقلب العنيف ، والارتداد الحاد ابن اليأس الكامل من الدنيا كلها .
قالت لي إن أجمل لحظات حياتها ، حين ذهبت معه إلى الجامعة . كانت في أولى دبلوم ، خرجت من البيت بملابس المدرسة وحقيبة المدرسة ، ثم ذهبت إلى بيت صديقة لها ، استلفت منها فستان أحمر بكرانيش على الركبة ، ووضعت أحمر شفاه داكن على شفتيها وبودرة خفيفة على خديها .
دخلت من بوابة الجامعة إلى ساحة حلم .. الاتساع الرهيب .. المباني الفخمة .. صفوف الأشجار، أحواض الزرع المكتظة بالزهور التي تتفجر بعطر غامض .. البنات من كل صنف ولون .. الأولاد مغسولون بالعطر .
كان الهواء الربيعي قوياً ، يلصق الفستان بفخذيها ، ويهدد برفعه . قلبها يخفق بقوة ، وروحها حرة حتى أنها لم تهتم بالفستان ، وتمنت لو تعرت وهي تمشى بين موج البشر . تمنت لو تحممت بتراب الخماسين تحت الشمس .
كان جسدها مشدودا كطبلة ، أقل لمسة سوف تجعله يدوى .. هكذا أحست وهى تقاوم رجفة قوية في صدرها وكتفيها وتخفى فرحها وهى تحدث حبيبها الذي بدا هادئا أمام المشهد الخرافي.
في تلك الليلة حلمت أنني جارها ، أقف في البلكونة ، أرقبها وهي تنشر الغسيل على سطح بيتها ، وأم كلثوم تغني بكل صوتها الجبار " الحب كله ". رأيت في الحلم أنها تركت الغسيل وبدأت ترقص وتدور حول نفسها فترتفع عن السطح . تطير في الهواء وتدور بسرعة حول نفسها ، وفستانها يتحول إلى مزق صغيرة تتطاير حول جسدها العاري . يطير شعرها في الهواء ويتساقط لحمها مبتعداً عن هيكلها العظمي ناصع البياض الذي لا يكف عن الدوران ، فى الفراغ المظلم ، نوراني ومشع . وفي لحظة مظلمة تفككت العظام ولم يبقى في الهواء سوى كف يدها اليمنى به إصبع وحيد يشير نحوى ، فأستيقظت من النوم فزعاً
بحور الكوابيس تفيض ..
استيقظت من النوم على رائحتها قوية وحاضرة ، كأنها كانت هنا منذ ثوان وانصرفت . أغمضت عيني واستحضرت صورتها وهى ترتدي ملابسها وتغادر. صورتها في الحلم وهي تتمزق وتتطاير اختلطت بصورة جسدينا في المرآة ، بصورة رسمتها بكلامها لفتاة ترتدي فستاناً أحمر وتفتح مسام جسدها للربيع . شرهة للحب.. لامتصاص رحيق العالم..
هل يروى العالم كله ظمأ هذه الروح ؟!
ابتسمت وأنا أتخيلها تقبض على الكرة الأرضية بكفيها وتحاول ابتلاعها ، لأنها أقل من عرفت رغبة في الطعام . كانت تدهشني بقدرتها على عدم الأكل ، كأنها صبارة مرشوقة في الصحراء ، تكتفي بقطرة ماء كل عام .
في أول معرفتي بها حكت لي أنها فقدت الرغبة في الأكل بعد وفاة أمها ، حتى نقلوها إلى المستشفى وعلقوا لها المحاليل .
كانت تزهد الطعام وهى حزينة وهى سعيدة ، وهى مصابة بالبرد ، وأثناء دورتها الشهرية ، وهى تركب المواصلات في سفر طويل ، وأيام الامتحانات وقبل النتيجة . ومع ذلك لم تكن نحيلة ، فرغم ضيق خصرها ، لها صدر كبير وأرداف ممتلئة .
تذكرت حكاية حكاها لى عمرو صديقى أيام كان يعمل فى معصرة قصب ، عن امرأة تبيع جسدها لتعيش . كانت نحيلة جداً ، جسدها بلا ملامح ووجهها عظمى ، وتحمل على ذراعها طفل متسخ دائماً ، يسيل المخاط من أنفه . وكانت قد تعرفت عليه فى الميكروباص وصارت تمر عليه من وقت لآخر.
كان يشمئز منها ويشفق عليها وعلى حظه المهبب الذي أوقعها فيه. وكان يعطيها كيس عصير وجوز جنيهات . قال بعد أن أنهى الحكاية : بس إيه .. رفيعة خالص . رفع جوع يعنى .
قالت : الهم هو الذي يبرى الجسد لا الجوع ثم أضافت : كت تعالى شفني وأنا في الدبلوم .. مكنتش أعرف ألبس البنطلون ده .. فخدي ده كان كده .. الجوع مش قلة أكل .. مفيش حد بينام من غير عشا.
قلت لها : بس فيه ناس فعلاً بتنام من غير عشا .. عارفه جه عليه أيام كنت لما اشترى سجاير أحسب تمنها يكفى كام عيل عيش وجبنه . وكنت لما أشرب عصير أو أحاسب على المشاريب أو أشوف ناس بتشترى دهب والستات تزغرط ، تيجى الحسبة دى في دماغى .
كل المال كان يتحول أمام عيني إلى خبز وجبن .. رغيف مدهوك بقطعة جبن بيضاء ، ملفوف بإحكام ، في أيدي صبية يقضمون ببطء وراحة ، حتى لا يشعروا بالجوع الحقيقي ، بألم انقباض المعدة الخاوية ، وعصيرها الكاوي الذي يصعد إلى الحلق ويعود . أعرف نظرة الجوع في العيون ، أعرف كيف ينظر الجائع إلى العالم الأصفر المقيت.. كيف يطارد الرغيف صعب المنال في الحلم واليقظة ..
لو أن الشهداء يعرفون .. لو أن المناضلين يعرفون .. لماتوا من أجل هذا دون غيره . من أجل اللحم الحي المنتهك المهترىء الضائع المباح المباع المشترى .
قلت لها : نحن وأمثالنا سوف ننتصر، ليس رأي أو رؤيا ، أو استشراف للمستقبل حتى . إنه يقين ساطع سطوع الشمس ، راسخ رسوخ الحياة . سوف ننتصر ونحطم أغلال الحصار المضروب حولنا .
ابتسمت بمرارة وأنا أنظر إلى عينيها المتألقتين بالفهم والاستيعاب. قلت لنفسي : ماذا أريد من العالم سوى هذه النظرة التي تمتص ألمي ومرارة حلقي ، التي تشعرني بجدوى ما أقول ؟
قلت لها : أنت كل ما أريد ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق