( 3 )
قبل أن أعرفها ، كنت قد قضيت أسبوعا كاملا في غرفتي ، لا أغادرها إلا إلى الحمام ، ولا آكل شيئا تقريباً. فقط الشاي والسجاير وأنا نائم على السرير أتأمل السقف . فى اليوم الأول كنت أفكر في خيباتى المتوالية في البحث عن عمل ، وفي الاستمرار في عمل . وفي اليوم الثاني كنت أفكر في حياتي كلها؛ معناها وجدواها، وفي اليوم الثالث اكتشفت ألا جدوى من التفكير.
كان محمود أخي - وشريكي في الغرفة - في الجيش ، وأبى تركني في حالي ، كما اتفقنا منذ زمن. أمي هي التي كانت تفسد وحدتي. من حين لآخر تدخل على بالطعام ، وتلح على كي آكل أو أخرج فلا أرد عليها ، وأرفض أن تفتح الشباك أو تنظف الغرفة.
فقط أنا أمام نفسي في هوة حالكة السواد.
بدأ هذا الأسبوع بلعبة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. عدت إلى البيت بعد سهرة طويلة على المقهى. أعددت العشاء لنفسي وجلست أتناوله أمام التليفزيون . كنت أتابع استعدادات العالم للاحتفال بالألفية الجديدة . فكرت كيف أحتفل أنا أيضا بهذه الألفية ، وخطر ببالي أن أكتب مذكراتى .
بعد أن أكلت بحثت عن أجندة قديمة ، وضعتها على المنضدة ووضعت فوقها القلم ثم اتجهت إلى المطبخ لأصنع كوباً من الشاي استعدادا لهذا الحدث .
وضعت الشاي أمامي ثم أشعلت سيجارة وكتبت:
" اليوم 27/12/1999 أيام ويبدأ عام جديد ، وقرن جديد ، وألفية جديدة . حدث تاريخي يستدعى التوقف قليلا أمام تدفق السنوات. لذلك قررت أن أكتب مذكراتى . لماذا ؟ لا أعرف !
فكرة وطقت في دماغي وخلاص . المهم أنني أواجه هذا الحدث التاريخي بدون عمل ، بدون حب ، وبلا أي أمل في المستقبل . سأبدأ بالجامعة ، أحلى سنوات العمر، التي احترقت تحت ضغط الظروف ، التي جعلتني واقعيا (غصب عنى) فلم أسمح لنفسي بالحب ، ما جدوى التعلق بشخص لن يسبب لي سوى الألم , ولن أسبب له سوى الألم . قلت لنفسي أيامها يجب أن انتبه فقط للدراسة ، وأترك الحب لما بعد التخرج ، على الأقل ساعتها أستطيع اصطحاب حبيبتي إلى كازينو أو كافتيريا .
بعد التخرج بدأت أبحث عن عمل شهر، شهرين ، سنة دون جدوى حتى أصبحت أخجل وأنا آخذ نقودا من أمي ، لذلك لم أتردد في السفر إلى الغردقة لأعمل كاشير أو حتى جرسون.."
توقفت عن الكتابة ، أحسست بالاختناق ، بفراغ بارد في صدرى. كنت على وشك البكاء. اللعبة أصبحت خطيرة ، اكتشفت من خلال السطور التي كتبتها كم كانت حياتي جافة وأحلامي مؤجلة.
لحظات التوتر، التفاصيل الكاوية التي لا تذوى أو تجف رغم الزمن الذي مر. الخوف من العالم ، الانحباس في مربع ضيق . داهمتني عبارة قالها لي صديق " للأسف الفقر كمان حجم خيالنا " عبارة تستحق أن تكتب . أن تكون عنوانا لهذه المذكرات ، أن نواجه بها العام ألفين. لكن صوت نجيب سرور المكوي الملتاع الساخط قفز إلى رأسي :
" إقرا ورقة أكتوبر
واحلم بالعام ألفين
وميعادنا تمام أكتوبر
في سراية للمجانين.."
ما جدوى الكتابة.
أغلقت الأجندة ، وأطفأت النور، ثم تمددت على السرير. أقاوم رغبة حادة في البكاء .. ما جدوى البكاء.
ثم انتهى أسبوع الآلام هذا بأن نهضت ، واتجهت إلى الحمام كأنني منوم ، كأنما دون إرادة منى . خلعت ملابسي ووقفت تحت الدش ساعة. ارتديت ملابس نظيفة وخرجت إلى البلكونة ، فشعرت بدوار خفيف وأنا أواجه شمس الغروب وهواء الشارع .
قلت لنفسي: من لا يملك شيئاً .. لا يفقد شيئاً.
وكأن سحراً انفك حين أخرجت الجملة من بين شفتي ، فشعرت فجأة بجوع شديد ، ليس للطعام فقط .
في اليوم التالي وجدتها. كنت كالتائه في الصحراء ، يرفض الموت ويطارد الماء ولا يجده ، وفي لحظة يأسه ، واستسلامه الكامل ، بل تقبله التام للموت يجد الماء.
قلت لها: في اللحظة الأولى التي وقعت عيني عليك قلت لنفسي هي لي ، لذلك اندفعت نحوك ، وبعد ذلك اندهشت من نفسي . كيف تصرفت مثل المراهقين وقلت إنه القدر، أو اليأس الذي غرقت فيه قبل أن أراك .
قالت بفرح اختلط بشك بدا على وجهها : يعني انت حبتنى أول ما شفتني؟!
الحب من النظرة الأولى هذا مستحيل الحدوث . الحب كزحف الصحراء ، كتحول العالم من الخريف إلى الشتاء. بطييء وغير محسوس ، لكنه يحدث ، ويستمر في الحدوث دون لحظة توقف واحدة ، يخمد ثم يتوهج ، تنتابه لحظات مد وجزر.
قبل ذلك ، ظننت الحب غير ذلك ، ظننته لحظة واحدة ، حالة واحدة من نقاء الرغبة وتوتر الجسد ، لا تنقطع إن كنت بعيدة ، إن كنا معاً ، في أي وقت ، وفي أي سياق .
معها تضربني النشوة ، كأنما اقتنصت شيئا نادراً وعزيزاً ، لكني لم أكتف أبداً . لم أكن الصبارة التي تكتفي بنقطة ماء وتقول لقد ارتويت. لم أقل لنفسي هذا تمام الحب ، هذا ما كنت أطارده ، وأمارسه في خيالي . كنت – فقط - أصبر، أمنح نفسي الوقت حتى تتحقق تصوراتي عن الحب ، أو لأقتنع أن هذا ما يجب أن يكون.
قالت: سرحت في إيه ؟
أجبت: مفيش
قالت بتوسل هذه المرة: طب ليه مردتش على سؤالي .. حبتنى أول ما شفتني؟
أجبت: طبعاً
لم أكن أكذب عليها ، ولم أكذب على نفسي . في تلك اللحظة كنت في حالة المد ، في لحظة الارتواء . أنظر في عمق عينيها فأرى ومضاً بدائياًً ، لحظة فيضان ترجف جسدي وروحي. هذا الاتساع الخرافي ، السطوع ، وفيض الشهوة الذي يكفى لتجميد الزمن في لحظة واحدة ، في هذه اللحظة الكفاية .
اقتربت منى أكثر، وقالت وهي تدفن رأسها في صدري: وأنا كمان حبيتك .. يمكن قبل ما أشوفك حتى . ثم رفعت رأسها ونظرت إلى عيني وقالت : مصدقنى ؟؟
قلت : طبعاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق